2008/05/06

إستجوابي لجريدة الشروق مع نور الدين بالطيب.


س : كيف ترى واقع التراث الشّعبي في تونس وهل تجاوز الاهتمام به مرحلة الفهم الفلكلوري؟

لعلّ ما يميز المرحلة الحالية عن مرحلة فهم التراث كظاهرة فلكلورية، هو انتفاء التعلل بالجهل و عدم المعرفة. لقد سيطر في السنوات الأولى من الاستقلال، قراءة كولونيلية للمكونات التراثية الغير "العالمة" أي تلك المتصلة بتعابير المجتمع التقليدي قبليا كان أو بدويا أو ريفيا و حتى الحضري ما دامت ليست من التعابير السائدة و المهيمنة و التي كانت تحضا بكل العناية سواء بالبث الإذاعي و التلفزيوني و التدريس و الدعم المعنوي و المادي. و لم يكن الاهتمام بالأشكال التراثية المادية و اللامادية من فرجة أو صناعة أو عمارة إلا في اتجاهين يغلب عليها نوع من النظرة الدونية و اعتبارها من الفنون " القاصرة":

الاتجاه الأول: توظيفها كمكمل لصورة تونس و التونسي في السوق السياحية باستعمال عشوائي لعديد الفرق من الطيالة و الزكارة و المزاودية و الراقصات و الراقصين بالقلل و مروضي الأفاعي و غيرها من جهة، و من جهة أخرى، اعتماد الفرقة القومية للفنون الشعبية "كسفير ثقافي" في التظاهرات الرسمية التونسية في الخارج، في حين كانت إدارتها الفنية تعتمد كوريغرافية مستوردة من بادان أوروبا الشرقية. و البعض من هذه المظاهر ما زالت سائدة لدى مستنبطي الإستراتيجيات التنشيطية للسياحة التونسية رغم مرور قرابة النصف قرن على بداية السياحة التونسية كاختيار وطني.

الاتجاه الثاني: توظيفها كممرر للخطاب السياسي الشعبوي من خلال البرامج الإذاعية طيلة عقود، الشيء الذي كان له الأثر السلبي في علاقة الأجيال الشابة مع موروثها، و انجر عنه نفور معقد لدى النخبة المتعلمة مهما كانت أصولها.

أمّا اليوم يمكن الجزم باندثار القراءة الكولونيالية باندثار الجيل الذي كان يحملها مثل ما حدث في مجال الرسم على المحمل، و لم يعد واردا تصور التراث كمشهد خارج من عمق التاريخ الماضي كما تخرج القبائل البدائية من الأدغال أو المغارات الجبلية. و اعتقد أن تضافر تقاطع الكثير من المجهودات العلمية في مجالات الأنطروبولوجيا و علم الاجتماع و التنشيط الثقافي، إلى جانب المبادرات الميدانية كالمهرجانات و الأعمال التلفزيونية و الإذاعية مهما كانت منحصرة أو محاصرة، غير الكثير لدى الأجيال الحالية و حتى لدى النخبة المتعلمة من نظرتهم للتراث الشعبي من موقف النفور إلى استعداد للتقبل و المعرفة و الفضول المتوازن، دون اعتبار للأصول الجهوية، الشيء الذي ولـّد بذور اعتزاز و تفاعل هووي مع الذّات و"الأنا" فيه الكثير من الإيجابية.

و التساؤل الذي يُطرح بإلحاح هو: هل أن هذا المعطى كاف لتحويل الرؤية الكولونيالية إلى رؤية واضحة و جلية للتراث الشعبي كعنصر لا محيد عنه من الثقافة الوطنية، دون دفع و عناية طواعية واعية على مستويات المؤسسات العلمية ، توثيقية و تعليمية أكاديمية ، و المؤسسات الإعلامية و مؤسسات البرمجة و النشر و التوزيع الثقافيين؟ سيما و نحن نواجه زمنا انهارت فيه الحدود و الحواجز التقليدية لتتحول أشكال التعابير الثقافية مادية كانت و لامادية إلى بضاعة ينطبق عليها قوانين المعاملات المبادلات الدولية.

فالتراث الشعبي اليوم يواصل العيش و الوجود أساسا لما تربطه من علاقة حية و متواصلة بينه و بين وسطه الأسري التقليدي لما يؤدّيه من وظيفة اجتماعية هي التي تضمن له الديمومة و بالتالي التجدد و التكيف مع متغيرات العصر. و لا أعتقد أن ما يُتصوّر أنه دعم من الجهات الرسمية كمشاركات الشعراء و الفنّانين و الفرق الشعبية هو المحدد في استمرار هذا التراث. أمام أشكال الفرجة المعولمة التي تسندها القنوات الفضائية و شبكات الأنترنات في سوق مفتوحة على مصراعيها.

س: قدّمت برنامجا تلفزيا ناجحا حول التراث الشّعبي لماذا توقّف هذا البرنامج؟

أولا لا اعتقد أن عشر حلقات كافية لوصف البرنامج الذي أعددته سنة 2003 بالناجح، و لعلي غير مؤهل لمثل هذا الحكم عليه، فضلا على الظروف المجحفة التي تمّت فيها تصويره من جهة المنتج المنفذ، و كذلك بثـّه من جهة مؤسسة الإذاعة و التلفزة الوطنية. يعلم العديد من العاملين في المجال السمعي البصري اهتمامي و منذ بداية السبعينات بالتراث الشعبي بما فيه العاملين بالتلفزيون، و مع ذلك لم يقترب مني أيا كان لإنجاز مثل هذا العمل و لم يخطر ببالي في يوم ما القيام به. و يعود الفضل إحقاقا للحق للأستاذ إبراهيم الفريضي الرئيس المدير العام للمؤسسة في 2002 ، الذي أصرّ و ألحّ علي بشدة – رغم ما كنت أمر به من ظروف صعبة- على القيام بهذا العمل و ترك لي الحرية التامة في تَصَوُّرِه و إنجازه، و رغم الكثير من الصعوبات تمّ تقديم العمل دون أن يتدخل فيه أي كان و تم البث الحلقات كما سُلـِّمت .

لماذا لم يتواصل هذا البرنامج؟ في الحقيقة و صراحة لا أدري، ليس لدي أي معطيات موضوعية و جدية عن الأسباب رغم المقترحات العديدة التي تقدمت بها للمؤسسة لم يردني عنها أي رد لا سلبا و لا إيجابا.

تبقى فرضيات لا يمكن اعتمادها كأسباب جدية منها:

أني غير مرغوب في كما ورد في مقل بجريدتكم منذ مدة و هذا لا يمكن أخذه بمأخذ الجد إذ تقبلت الكثير من الدعوات فيا لبرامج التلفزيونية المسجلة و المباشرة دون أن يصدر أي احتراز أو معارضة لمشاركتي.

أو تعاملي مع فاميليا للإنتاج و هنا أيضا المقترحات الأخيرة الني تقدمت بها كانت باسم مؤسسات إنتاج غير فاميليا.

أمّا عن تكلفة البرنامج حدّث و لا حرج لا أعتقد أن التكلفة المقدرة له تعتبر أكثر مما هو معمول به إن لم نقل هي أقل بكثير، و هنا أيضا تطرح مسألة إمكانيات المؤسسة و عجزها على مواجهة الإنتاج الخارجي، الشيء الذي يجرنا للحديث عن تراجع للسياسات التي شجعت الدولة المؤسسة على توخيها بالتعامل مع شركات الإنتاج الخاصة التي استثمرت في تجهيزات و معدّات هي اليوم غير مستعملة نظرا لمواصلة المؤسسة نهج الإندماج في أغلب الأعمال المرئية.

و هناك سؤال آخر يطرح نفسه بشدة:هل أن الأعمال المنجزة خارج المؤسسة إذا ما توفرت فيها الحدود الدنيا من الجودة إن لم نقل أكثر، تصبح غير مرغوب فيها لأنها تبرز هنات بعض الأعمال التي تنجزها فرق المؤسسة؟ إلى أي مدى يمكن أن نتصور هذا التمشـّي، خاصة إذا ما تذكرنا أن برنامج رحلة في التراث الشعبي وقع بث حلقاته للمرة الأولى في ساعات متأخرة للغاية، و حتى عند إعادة بثه كان من باب سد الفراغ الذي يحصل على الفضائية عند بث مباريات كرة القدم على الأرضية، لا أخفي إحساسي باعتبار الجهات المسؤولة على لبرمجة هذا البرنامج ك برنامج لقيط و غير مرغوب فيه، فإذا استثنينا البث الأول الذي وقع الإعلام فيه بلقطات تقديمية و إعلام للصحف، لم يقع البتة الإعلام عنه في المرات المتعاقبة ، أو بعبارة نكرة: "برنامج وثائقي" من ذلك أنه يباغت المشاهد دون سابق إعلام.

س : لك عديد الدراسات حول شعراء شعبيين لماذا لم تنشرها؟

أعمالي حول التراث الشعبي عموما و مدونة الشعر الشعبي لم أستوف بعد معالمها و أبعادها، صحيح أنه بإمكاني نظرا للمادة المتوفرة حول العديد من الأسماء المرموقة للشعر الشعبي نشر البعض منها، غير أن هذا ليس توجهي بقدر ما أنا منهمك في مسح لمكونات المدونة الغنائية-الشعرية التونسية من جهة و لتجميع للإيقاعات و الترنيمات التي تحمل المدونة الشعرية. و في نفس الوقت يعطينا المشهد الشعري الغنائي التقليدي من التبتين و التكامل ما يجعل العمل منقوصا إذا لم يشمل الفضاء التونسي بأكمله و لربما بعض المناطق الحدودية التي تشترك سواء من الجهة الشرقية مع ليبيا أو الجهة الغربية مع الجزائر اكثر من منطقة في مهاوي و أغاني و أشعار مشتركة، و كما هو معلوم أن التنقل من جهة لجهة و ضرورات الحياة لدى الكثير من القبائل يجعل الأغاني و الأشعار تخترق لا الحدود المحلية الفبلية و لكن لإلى أبعد منها الحدود الوطنية، فضلا على التأثيرات المتبادلة بين قطر و قطر حتى إذا لم يكن هناك اشتراك في الحدود مثل ما هو الشأن بين الملحون التونسي و الملحون المغربي.

س : كنت صديقا لرجاء فرحات و قدّمت معه سهرة الشعر الشعبي في قرطاج سنة 80 لماذا إختلفت معه؟

لقد سال الكثير من الحبر حول هذه القضية و لعمري إني الآن في مرحلة اقتفاء للسكينة و الطمأنينة و لم أعد في سياق الجدل العقيم و الحروب الأهلية، في سني و قد تجاوزت 64 عاما، لم يعد من اللائق بنا أو على الأقل بي إعادة تحريك السكين بجروح قديمة. رجاء فرحات صديق عمر تلاقينا عديد المرّات في حياتنا العادية بمعاناتها أحزانها و أفراحها منذ أكثر من أربعين عاما، فضلا على لقاءاتنا الفنية و الثقافية منذ الجازية 74 إلى الجازية 93. لأول مرة بعد ما حدث ما حدث من افتتاح قرطاج 2007، تلاقينا في توزر أخيرا مثل غريبين على منصة ندوة علمية، و لربما الغرباء تبادلوا بعض المجاملات، ذلك ما لم نفعله، و هذا حقا أمر محزن. كل هذا بسبب ماذا؟ أشياء اعتبرها تافهة و لربما مواصلة الحديث عنها كان أتفه من ذلك. فلا فائدة إذن من العودة لما انقطع و انفصل، للأسف الشديد.

س : علي سعيدان هل يعتبر نفسه مظلوما نقديا ورمزيا في تونس؟

لا أبدا، لا تخامرني بالمرة هذه الأحاسيس و الأفكار، أعتبر نفسي مدينا لمن أودعوني من معارفهم الكثير و هذه أمانة سأؤديها مثلما تحملتها بسخاء من الذين وثقوا بي لمن أراد أن يتحملها بعدي بسخاء أيضا، دون مساومة أو احتكار. لست في سوق البيع و الشراء و الدلالة، و لست في منطق التماس اعتبار ما أو استجداء. لم أجعل من مشاغلي هذه أصلا تجاريا احتكر فيه قلة بضاعة ما، إنما أنا في متعة و إمتاع و مؤانسة دائمين.

س : كيف ترى المسرح التونسي اليوم خاصة في تعامله مع التراث الشعبي ؟

يبدو أن الموعد المتميز الذي جمع المسرح التونسي بالتراث – العالم و الشعبي- قد أجهض بغد تجارب عز الدين المدني مع على بن عياد و النصف السويسي من جهة و تجارب فرقة الكاف مع السويسي أيضا و قفصة في تشكيلتها الأولى. هذه الطفرة الأولى التي كان يحملها توق و دوافع ذاتية أكثر مما هي موضوعية معقلنة لم تتوصل لعملية التراكم الضرورية لتأسيس تقاليد أكثر موضوعية و علمية معقلنة تضمن الدوام و الاستمرارية.

بين الهاجس الذهني و الفكري للمدني في نصوص الزنج و راس الغول و الحلاج الذي يتمازج بدافعية كبيرة لربط الفكر التقدمي المعصرن و المسرح العالمي في ارتجاجته في ذاك الزمن بالمسكوت عنه في الأعمال التاريخية أو لنقل المنسي و ما كنا نجد فيه نوعا من الإسقاطات التي يهيئ إلينا أنها تشبع رغباتنا كفكر يساري، تولدت ديناميكية جماعية فيها الكثير من التنافس و مغالبة النفس لتجاوز الجهل و الفقر الذهني وتوسيع مجالات المعرفة. غير أن الزمن كان زمن اعتبر فيه التراث الشعبي فلكلورا و لم يطف على السطح منه سوى ما وقع النبش عليه في التجربة الكافية، و لم يتسع العمل ليشمل أوجه أخرى للتراث. كما أن هناك من سوء الحظ أباطرة للمسرح لها موقف معاد للتراث الشعبي بحكم جهلهم به و قرفهم الذي يذهب بهم للحديث بصورة عنصرية و مهينة لأهله و مبدعيه و محبيه.

اليوم لا لأثر للتراث في الأعمال الجادة و لا في توجهات المؤسسات التكوينية فمن الطبيعي أن تكون أرض المسرح التونسي المعاصر سبخة مالحة لا تنبت أي شيء نحفظها الذاكرة، و ما بعض الأعمال النادرة التي يطاع بها علينا لبعض من حين لآخر سوى مهازل تمتاز بمفارقة الجهل و الإدعاء الزائف.

1 commentaires:

mandela a dit…

bordel de bordel de bordel de merde
un diplomé chomeur en greve est mort hier electrokuté a redeyef!
des confrontations se sont eclaté o bassin minier...